فصل: تفسير الآية رقم (48)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏38 - 39‏]‏

‏{‏فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ‏(‏38‏)‏ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ‏(‏39‏)‏‏}‏

قد تقدم الكلام في ‏{‏فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 75‏]‏ لا أقسم بمواقع النجوم وما تبصرون وما لا تبصرون المشاهدات والمغيبات وإليه يرجع قول قتادة هو عام في جميع مخلوقاته عز وجل وقال عطاء ما تبصرون من آثار القدرة وما لا تبصرون من أسرار القدرة وقيل الأجسام والأرواح وقيل الدنيا والآخرة وقيل الإنس والجن والملائكة وقيل الخلق والخالق وقيل النعم الظاهرة والباطنة والأول شامل لجميع ما ذكر وسبب النزول على ما قال مقاتل‏:‏ إن الوليد قال‏:‏ إن محمداً صلى الله عليه وسلم ساحر وقال أبو جهل شاعر وقال عتبة كاهن فرد الله تعالى عليهم بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَلاَ أُقْسِمُ‏}‏ الخ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏40‏]‏

‏{‏إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ‏(‏40‏)‏‏}‏

‏{‏أَنَّهُ‏}‏ أي القرآن ‏{‏لَقَوْلُ رَسُولٍ‏}‏ يبلغه عن الله تعالى فإن الرسول لا يقول عن نفسه ‏{‏كَرِيمٌ‏}‏ على الله عز وجل وهو النبي صلى الله عليه وسلم في قول الأكثرين وقال ابن السائب ومقاتل وابن قتيبة هو جبريل عليه السلام وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏41‏]‏

‏{‏وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ‏(‏41‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ‏}‏ الخ قيل دليل لما قاله الأكثرون لأن المعنى على إثبات أنه عليه الصلاة والسلام رسول لا شاعر ولا كاهن كما يشعر بذلك سبب النزول وتوضيح ذلك أنهم ما كانوا يقولون في جبريل عليه السلام أنه كذا وكذا وإنما كانوا يقولونه في النبي صلى الله عليه وسلم فلو أريد برسول كريم جبريل عليه السلام لفات التقابل ولم يحسن العطف كما تقول أنه لقول عالم وما هو بقول جاهل ولو قلت وما هو بقول شجاع نسبت إلى ما تكره وتعقبه بعض الأئمة بأن هذا صحيح إن سلم أن المعنى على إثبات رسول لا شاعر ويكون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ لا قَوْلَ شَاعِرٌ‏}‏ إثباتاً للرسالة على طريق الكناية أما إذا جعل المقصود من السياق إثبات حقية المنزل وأنه من الله عز وجل فإنه تذكرة لهؤلاء وحسرة لمقابليهم وهو في نفسه صدق ويقين لا يحوم حوله شك كما يدل عليه ما بعد فللقول الثاني أيضاً موقع حسن وكأنه قيل إن هذا القرآن لقول جبريل الرسول الكريم وما هو من تلقاء محمد صلى الله عليه وسلم كما تزعمون وتدعون أنه شاعر وكاهن ويكون قد نفى عنه صلى الله عليه وسلم الشعر والكهانة على سبيل الإدماج انتهى وهو تحقيق حسن ‏{‏قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ‏}‏ أي تصدقون تصديقاً قليلاً على أن قليلاً صفة للمفعول المطلق لتؤمنون وما مزيدة للتأكيد والقلة بمعناها الظاهر لأنهم لظهور صدقه صلى الله عليه وسلم لزم تصديقهم له عليه الصلاة والسلام في الجملة وإن أظهروا خلافه عناداً وأبوه تمرداً بألسنتهم وحمل الزمخشري القلة على العدم والنفي أي لا تؤمنون البتة ولا كلام فيه سوى أنه دون الأول في الظهور وقال أبو حيان لا يراد بقليلاً هنا النفي المحض كما زعم فذلك لا يكون إلا في أقل نحو أقل رجل يقول كذا إلا زيد وفي قل نحو قل رجل يقول كذا إلا زيد وقد يكون في قليل وقليلة إذا كانا مرفوعين نحو ما جوزوا في قوله‏:‏ أنيخت فالقت بلدة فوق بلدة *** قليل بها الأصوات الابغامها

أما إذا كان منصوباً نحو قليلاً ضربت أو قليلاً ما ضربت على أن تكون ما مصدرية فإن ذلك لا يجوز لأنه في قليلاً ضربت منصوب بضربت ولم تستعمل العرب قليلاً إذا انتصب بالفعل نفياً بل مقابلاً للكثير وأما في قليلاً ما ضربت على أن تكون ما مصدرية فيحتاج إلى رفع قليل لأن ما المصدرية في موضع رفع على الابتداء اه‏.‏ وأنت تعلم أن مثل ذلك لا يسمع على مثل الزمخشري بغير دليل فإن الظاهر أنه ما قال ما قال إلا عن وقوف وهو فارس ميدان العربية وجوز كونه صفة لزمان محذوف أي زماناً قليلاً تؤمنون وذلك على ما قيل إذا سألوا من خلقهم أو من خلق السموات والأرض فإنهم يقولون حينئذٍ الله تعالى وقال ابن عطية نصب قليلاً بفعل مضمر يدل عليه تؤمنون ويحتمل أن تكون ما نافية فينتفي إيمانهم البتة ويحتمل أن تكون مصدرية وما يتصف بالقلة هو الإيمان اللغوي وقد صدقوا بأشياء يسيرة لا تغني عنهم شيئاً ككون الصلة والعفاف اللذين كانا يأمر بهما عليه الصلاة والسلام حقاً وصواباً اه‏.‏

وتعقب بأنه لا يصح نصب قليلاً بفعل مضمر دال عليه تؤمنون لأنه إما أن تكون ما المقدرة معه نافية فالفعل المنفي بما لا يجوز حذفه وكذا حذف ما فلا يجوز زيداً ما أضربه على تقدير ما أضرب زيداً ما أضربه وإن كانت مصدرية كانت إما في موضع رفع على الفاعلية بقليلاً أي قليلاً إيمانكم ويرد عليه لزوم عمله من غير تقدم ما يعتمد عليه ونصبه لا ناصب له وإما في موضع رفع على الابتداء ويرد عليه لزوم كونه مبتدأ بلا خبر لأن ما قبله منصوب لا مرفوع فتأمل وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بخلاف عنهما والحسن والجحدري يؤمنون بالياء التحتية على الالتفات‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏42‏]‏

‏{‏وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ‏}‏ كما تدعون مرة أخرى ‏{‏قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ‏}‏ أي تذكرون تذكراً قليلاً فلذلك يلتبس الأمر عليكم وتمام الكلام فيه إعراباً كالكلام فيما قبله وكذا القراءة وذكر الإيمان مع نفي الشاعرية والتذكر مع نفي الكاهنية قيل لما أن عدم مشابهة القرآن الشعر أمر بين لا ينكره إلا معاند فلا عذر لمدعيها في ترك الإيمان وهو أكفر من حمار بخلاف مباينته للكهانة فإنها تتوقف على تذكر أحواله صلى الله عليه وسلم ومعاني القرآن المنافية لطريق الكهانة ومعاني أقوالهم وتعقب بأن ذلك أيضاً مما يتوقف على تأمل قطعاً وأجيب بأنه يكفي في الغرض الفرق بينهما أن توقف الأول دون توقف الثاني‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏43‏]‏

‏{‏تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏43‏)‏‏}‏

‏{‏تَنزِيلَ‏}‏ أي هو تنزيل ‏{‏مِن رَّبّ العالمين‏}‏ نزله سبحانه على لسان جبريل عليه السلام وقرأ أبو السمال تنزيلاً بالنصب بتقدير نزله تنزيلاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏44‏]‏

‏{‏وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ‏(‏44‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاقاويل‏}‏ التقول الافتراء وسمي تقولاً لأنه قول متكلف والأقاويل الأقوال المفتراة وهي جمع قول على غير القياس أو جمع أقوال فهو جمع الجمع كأناعيم جمع أنعام وأبابيت جمع أبيات وفي «الكشاف» سمى الأقوال المتقولة أقاويل تصغيراً لها وتحقيراً كقولك الأعاجيب والأضاحيك كأنها جمع أفعولة من القول وتعقبه ابن المنير بأن أفعولة من القول غريب عن القياس التصريفي وأجيب بأنه غير وارد لأن مراده أنه جمع لمفرد غير مستعمل لأنه لا وجه لاختصاصه بالافتراء غير ما ذكر والأحسن أن يقال بمنع اختصاصه وضعاً وأنه جمع على ما سمعت والتحقير جاء من السياق والمراد لو ادعى علينا شيئاً لم نقله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏45‏]‏

‏{‏لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ‏(‏45‏)‏‏}‏

‏{‏لاخَذْنَا مِنْهُ‏}‏ أي لأمسكناه وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏باليمين‏}‏ أي بيان بيمينه بعد الإبهام كما في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‏.‏‏}‏

تفسير الآية رقم ‏[‏46‏]‏

‏{‏ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ‏(‏46‏)‏‏}‏

‏{‏ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين‏}‏ أي وتينه وهو كما قال ابن عباس نياط القلب الذي إذا انقطع مات صاحبه وعن مجاهد أنه الحبل الذي في الظهر وهو النخاع وقال الكلبي هو عرق بين العلباء وهي عصب العنق والحلقوم وقيل عرق غليظ تصادفه شفرة الناحر ومنه قول الشماخ بن ضرار‏:‏

إذا بلغتني وحملت رحلي

عرابة فأشرقي بدم الوتين *** وهذا تصوير للإهلاك بأفظع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه وهو أن يأخذ القتال بيمينه ويكفحه بالسيف ويضرب عنقه وعن الحسن أن المعنى لقطعنا يمينه ثم لقطعنا وتينه عبرة ونكالاً والباء عليه زائدة وعن ابن عباس أن اليمين بمعنى القوة والمراد أخذ بعنف وشدة وضعف بأن فيه ارتكاب مجاز من غير فائدة وأنه يفوت فيه التصوير والتفصيل والإجمال ويصير منه زائداً لا فائدة فيه وقرأ ذكوان وابنه محمد ‏{‏ولو يقول‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 44‏]‏ مضارع قال وقرىء ‏{‏ولو تقول‏}‏ مبنياً للمفعول فنائب الفاعل بعض أن كان قد قرىء مرفوعاً وإن كان قد قرىء منصوباً فهو علينا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏47‏]‏

‏{‏فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ‏(‏47‏)‏‏}‏

‏{‏فَمَا مِنكُم‏}‏ أيها الناس ‏{‏مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ‏}‏ أي عن هذا الفعل وهو القتل ‏{‏حاجزين‏}‏ أي مانعين يعني فما يمنع أحد عن قتله واستظهر عود ضمير عنه لمن عاد عليه ضمير تقول والمعنى فما يحول أحد بيننا وبينه والظاهر في حاجزين أن يكون خبراً لما على لغة الحجازيين لأنه هو محط الفائدة ومن زائدة واحد اسمها ومنكم قيل في موضع الحال منه لأنه لو تأخر لكان صفة له فلما تقدم أعرب حالاً كما هو الشائع في نعت النكرة إذا تقدم عليها ونظر في ذلك وقيل للبيان أو متعلق بحاجزين كما تقول ما فيك زيد راغباً ولا يمنع هذا الفصل من انتصاب خبر ما وقال الحوفي وغيره‏:‏ إن حاجزين نعت لأحد وجمع على المعنى لأنه في معنى الجماعة يقع في النفي العام للواحد والجمع والمذكر والمؤنث ومنه ‏{‏لا نفرق بين أحد من رسله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 285‏]‏ و‏{‏لستن كأحد من النساء‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 32‏]‏ فأحد مبتدأ والخبر منكم وضعف هذا القول بأن النفي يتسلط على الخبر وهو كينونته منكم فلا يتسلط على الحجز مع أنه الحقيق بتسلطه عليه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏48‏]‏

‏{‏وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏48‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَنَّهُ‏}‏ أي القرآن ‏{‏لَتَذْكِرَةٌ لّلْمُتَّقِينَ‏}‏ لأنهم المنتفعون به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏49‏]‏

‏{‏وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ‏(‏49‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذّبِينَ‏}‏ فنجازيهم على تكذيبهم وقيل الخطاب للمسلمين والمعنى أن منهم ناساً سيكفرون بالقرآن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏50‏]‏

‏{‏وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ ‏(‏50‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَنَّهُ‏}‏ أي القرآن ‏{‏لَحَسْرَةٌ‏}‏ عظيمة ‏{‏عَلَى الكافرين‏}‏ عند مشاهدتهم لثواب المؤمنين وقال مقاتل وأن تكذيبهم بالقرآن لحسرة عليهم فأعاد الضمير للمصدر المفهوم من قوله تعالى ‏{‏مكذبين‏}‏ والأول أظهر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏51‏]‏

‏{‏وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ‏(‏51‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَنَّهُ‏}‏ أي القرآن ‏{‏لَحَقُّ اليقين‏}‏ أي لليقين حق اليقين والمعنى لعين اليقين فهو على نحو عين الشيء ونفسه والإضافة بمعنى اللام على ما صرح به في «الكشف» وجوز أن تكون الإضافة فيه على معنى من أي الحق الثابت من اليقين وقد تقدم في الواقعة ما ينفعك هنا فتذكره وذكر بعض الصوفية قدست أسرارهم أن أعلى مراتب العلم حق اليقين ودونه عين اليقين ودونه علم اليقين فالأول كعلم العاقل بالموت إذا ذاقه والثاني كعلمه به عند معاينة ملائكته عليهم السلام والثالث كعلمه به في سائر أوقاته وتمام الكلام في ذلك يطلب من كتبهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏52‏]‏

‏{‏فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ‏(‏52‏)‏‏}‏

‏{‏فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم‏}‏ أي فسبح الله تعالى بذكر اسمه العظيم تنزيهاً له عن الرضا بالتقول عليه وشكراً على ما أوحي إليك من هذا القرآن الجليل الشأن وقد مر نحو هذا في الواقعة أيضاً فارجع إليه إن أردت والله تعالى الموفق‏.‏

‏[‏سورة المعارج‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ‏}‏ أي دعا داع به فالسؤال بمعنى الدعاء ولذا عدى بالباء تعديته بها في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ فاكهة‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 55‏]‏ والمراد استدعاء العذاب وطلبه وليس من التضمين في شيء وقيل الفعل مضمن معنى الاهتمام والاعتناء أو هو مجاز عن ذلك فلذا عدى بالباء وقيل إن الباء زائدة وقيل إنها بمعنى عن كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 59‏]‏ والسائل هو النضر بن الحرث كما روى النسائي وجماعة وصححه الحاكم عن ابن عباس وروي ذلك عن ابن جريج والسدي والجمهور حيث قال إنكاراً واستهزاءً ‏{‏اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 32‏]‏ وقيل هو أبو جهل حيث قال ‏{‏أسقط علينا كسفاً من السماء‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 187‏]‏ وقيل هو الحرث بن النعمان الفهري وذلك أنه لما بلغه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي كرم الله تعالى وجهه من كنت مولاه فعلى مولاه قال اللهم إن كان ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم حقاً فامطر علينا حجارة من السماء فما لبث حتى رماه الله تعالى بحجر فوقع على دماغه فخرج من أسفله فهلك من ساعته وأنت تعلم أن ذلك القول منه عليه الصلاة والسلام في أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه كان في غدير خم وذلك في أواخر سني الهجرة فلا يكون ما نزل مكياً على المشهور في تفسيره وقد سمعت ما قيل في مكية هذه السورة وقيل هو الرسول صلى الله عليه وسلم استعجل عذابهم وقيل هو نوح عليه السلام سأل عذاب قومه وقرأ نافع وابن عامر سال بألف كقال سايل بياء بعد الألف فقيل يجوز أن يكون قد أبدلت همزة الفعل ألفاً وهو بدل على غير قياس وإنما قياس هذا بين بين ويجوز أن يكون على لغة من قال سلت أسال حكاها سيبويه وفي «الكشاف» هو من السؤال وهو لغة قريش يقولون سلت تسال وهم يتسايلان وأراد أنه من السؤال المهموز معنى لاشتقاقاً بدليل وهما يتسايلان وفيه دلالة على أنه أجوف يائي وليس من تخفيف الهمزة في شيء وقيل السوال بالواو الصريحة مع ضم السين وكسرها وقوله يتسايلان صوابه يتساولان فتكون ألفه منقلبة عن واو كما في قال وخاف وهو الذي ذهب إليه أبو علي في الحجة وذكر فيها أن أبا عثمان حكى عن أبي زيد أنه سمع من العرب من يقول هما يتساولان ثم إن في دعوى كون سلت تسال لغة قريش تردداً والظاهر خلاف ذلك وأنشدوا لورود سال قول حسان يهجو هذيلاً لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيح لهم الزنا

سالت هذيل رسول الله فاحشة *** ضلت هذيل بما قالت ولم تصب

وقول آخر‏:‏

سالتاني الطلاق أن رأتاني *** قل مالي قد جئتماني بنكر

وجوز أن يكون سال من السيلان وأيد بقراءة ابن عباس سال سيل فقد قال ابن جني السيل ههنا الماء السائل وأصله المصدر من قولك سال الماء سيلاً إلا أنه أوقع على الفاعل كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 30‏]‏ أي غائراً وقد تسومح في التعبير عن ذلك بالوادي فقيل المعنى اندفع واد بعذاب واقع والتعبير بالماضي قيل للدلالة على تحقق وقوع العذاب إما في الدنيا وهو عذاب يوم بدر وقد قتل يومئذٍ النضر وأبو جهل وأما في الآخرة وهو عذاب النار وعن زيد بن ثابت أن سائلاً اسم واد في جهنم وأخرج ابن المنذر وعبد بن حميد عن ابن عباس ما يحتمله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏للكافرين‏}‏ صفة أخرى لعذاب أي كائن للكافرين أو صلة لواقع واللام للتعليل أو بمعنى على ويؤيده قراءة أبي على الكافرين وإن صح ما روي عن الحسن وقتادة أن أهل مكة لما خوفهم النبي صلى الله عليه وسلم بعذاب سألوا عنه على من ينزل وبمن يقع فنزلت كان هذا ابتداء كلام جواباً للسائل أي هو للكافرين وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ‏}‏ صفة أخرى لعذاب أو حال منه لتخصيصه بالصفة أو بالعمل أو من الضمير في للكافرين على تقدير كونه صفة لعذاب على ما قيل أو استئناف أو جملة مؤكدة لهو للكافرين على ما سمعت آنفاً فلا تغفل وقوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏مِنَ الله‏}‏ متعلق بدافع ومن ابتدائية أي ليس له دافع يرده من جهته عز وجل لتعلق إرادته سبحانه به وقيل متعلق بواقع فقيل إنما يصح على غير قول الحسن وقتادة وعليه يلزم الفصل بالأجنبي لأن ‏{‏للكافرين‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 2‏]‏ على ذلك جواب سؤال ثم إن التعلق بواقع على ما عدا قولهما أن جعل للكافرين من صلته أيضاً كان أظهر وإلا لزم الفصل بين المعمول وعامله بما ليس من تتمته لكن ليس أجنبياً من كل وجه ‏{‏ذِي المعارج‏}‏ هي لغة الدرجات والمراد بها على ما روي عن ابن عباس السموات تعرج فيها الملائكة من سماء إلى سماء ولم يعينها بعضهم فقال أي ذي المصاعد التي تصعد فيها الملائكة بالأوامر والنواهي وقيل هي مقامات معنوية تكون فيها الأعمال والاذكار أو مراتب في السلوك كذلك يترقى فيها المؤمنون السالكون أو مراتب الملائكة عليهم السلام وأخرج عبد بن حميد عن قتادة تفسيرها بالفضائل والنعم وروى نحوه ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس وقيل هي الغرف التي جعلها الله تعالى لأوليائه في الجنة والأنسب بما يقتضيه المقام من التهويل ما هو أدل على عزه عز وجل وعظم ملكوته تعالى شأنه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏تَعْرُجُ الملئكة والروح‏}‏ أي جبريل عليه السلام كما ذهب إليه الجمهور أفرد بالذكر لتميزه وفضله بناء على المشهور من أنه عليه السلام أفضل الملائكة وقيل لمجرد التشريف وإن لم يكن عليه السلام أفضلهم بناءً على ما قيل من أن إسرافيل عليه السلام أفضل منه وقال مجاهد الروح ملائكة حفظة للملائكة الحافظين لبني آدم لا تراهم الحفظة كما لا نرى نحن حفظتنا وقيل خلق هم حفظة الملائكة مطلقاً كما أن الملائكة حفظة الناس وقيل ملك عظيم الخلقة يقوم وحده يوم القيامة صفاً ويقوم الملائكة كلهم صفاً وقال أبو صالح خلق كهيئة الناس وليسوا بالناس وقال قبيصة بن ذؤيب روح الميت حين تقبض ولعله أراد الميت المؤمن وقرأ عبد الله والكسائي وابن مقسم وزائدة عن الأعمش يعرج بالياء التحتية ‏{‏إِلَيْهِ‏}‏ قيل أي إلى عرشه تعالى وحيث يهبط منه أوامره سبحانه وقيل هو من قبيل قول إبراهيم عليه السلام ‏{‏إني ذاهب إلى ربي‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏ 99‏]‏ أي إلى حيث أمرني عز وجل به وقيل المراد إلى محل بره وكرامته جل وعلا على أن الكلام على حذف مضاف وقيل إلى المكان المنتهى إليه الدال عليه السياق وفسر بمحل الملائكة عليهم السلام من السماء ومعظم السلف يعدون ذلك من المتشابه مع تنزيهه عز وجل عن المكان والجسمية واللوازم التي لا تليق بشأن الألوهية وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ‏}‏ أي من سنينكم الظاهر تعلقه بتعرج واليوم بمعنى الوقت والمراد به مقدار ما يقوم الناس فيه لرب العالمين إلى أن يستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار من اليوم الآخر والذي لا نهاية له ويشير إلى هذا ما أخرج الإمام أحمد وابن حبان وأبو يعلى وابن جرير والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم فقال عليه الصلاة والسلام والذي نفسي بيده أنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا واختلف في المراد بهذا التقدير على هذا الوجه فقيل الإشارة إلى استطالة ذلك اليوم لشدته لا أنه بهذا المقدار من العدد حقيقة وروى هذا عن ابن عباس والعرب تصف أوقات الشدة والحزن بالطول وأوقات الرخاء والفرح بالقصر ومن ذلك قول الشاعر‏:‏

من قصر الليل إذا زرتني *** أشكو وتشكين من الطول

وقوله‏:‏

ليلى وليلى نفي نومي اختلافهما *** بالطول والطول يا طوبى لو اعتدلا

يجود بالطول ليلى كلما بخلت *** بالطول ليلى وإن جادت به بخلا

وقوله‏:‏

ويوم كظل الرمح قصر طوله *** دم الزق عنا واصطفاق المزاهر

إلى ما لا يكاد يحصى وفي قوله عليه الصلاة والسلام في الخبر السابق أنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من صلاة مكتوبة إشارة إلى هذا وكذا ما روي عن عبد الله بن عمر من قول يوضع للمؤمنين يومئذ كراسي من ذهب ويظلل عليهم الغمام ويقصر عليهم ذلك اليوم ويهون حتى يكون كيوم من أيامكم هذه ولينظر على هذا القول ما حكمة التنصيص على العدد المذكور وقيل هو على ظاهره وحقيقته وإن في ذلك اليوم خمسين موطناً كل موطن ألف سنة من سني الدنيا أي حقيقة وقيل الخمسون على حقيقتها إلا أن المعنى مقدار ما يقضي فيه من الحساب قدر ما يقضي بالعدل في خمسين ألف سنة من أيام الدنيا وهو مروي عن عكرمة وأشار بعضهم إلى أن المقدار المذكور عليه مجاز عما يلزمه من كثرة ما يقع فيه من المحاسبات أو كناية فكأنه قيل في يوم يكثر فيه الحساب ويطول بحيث لو وقع من غير أسرع الحاسبين وفي الدنيا طال إلى خمسين ألف سنة وتخصيص عروج الملائكة والروح بذلك اليوم مع أن عروجهم متحقق في غيره أيضاً للإشارة إلى عظم هوله وانقطاع الخلق فيه إلى الله عز وجل وانتظارهم أمره سبحانه فيهم أو للإشارة إلى عظم الهول على وجه آخر وأياً ما كان فالجملة استئناف مؤكد لما سيق له الكلام وقيل هو متعلق بواقع وقيل بدافع وقيل بسال إذا جعل من السيلان لا به من السؤال لأنه لم يقع فيه والمراد باليوم على هذه الأقوال ما أريد به فيما سبق وتعرج الملائكة والروح إليه مستطرد عند وصفه عز وجل بذي المعارج وقيل هو متعلق بتعرج كما هو الظاهر إلا أن العروج في الدنيا والمعنى تعرج الملائكة والروح إلى عرشه تعالى ويقطعون في يوم من أيامكم ما يقطعه الإنسان في خمسين ألف سنة لو فرض سيره فيه وروى عن ابن إسحق ومنذر بن سعيد ومجاهد وجماعة وهو رواية عن ابن عباس أيضاً واختلف في تحديد المسافة فقيل هي من وجه الأرض إلى منتهى العرش وقيل من قعر الأرض السابعة السفلى إلى العرش وفصل بأن ثخن كل أرض خمسمائة عام وبين كل أرضين خمسمائة عام وبين الأرض العليا والسماء الدنيا خمسمائة عام وثخن كل سماء كذلك وما بين كل سماءين كذلك وما بين السماء العليا ومقعر الكرسي كذلك ومجموع ذلك أربعة عشر ألف عام ومن مقعر الكرسي إلى العرش مسيرة ست وثلاثين ألف عام فالمجموع خمسون ألف سنة وفي خبر أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه ولعله لا يصح وإن لم تبعد هذه السرعة من الملائكة عليهم السلام عند من وقف على سرعة حركة الأضواء وعلم أن الله عز وجل على كل شيء قدير ومن الناس من اعتبر هذه المدة من الأرض إلى العرش عروجاً وهبوطاً واعتبرها كذلك من الأرض إلى مقعر السماء الدنيا في قوله سبحانه

‏{‏يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 50‏]‏ ومن يعتبر أحد الأمرين يعتبر هنا محدب السماء الدنيا والأرض وسيأتي إن شاء الله تعالى ما للمتصوفة في ذلك وقيل الكلام بيان لغاية ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها على سبيل التمثيل والتخييل والمراد أنها في غاية البعد والارتفاع المعنوي على بعض الأوجه في المعارج أو الحسي كما في بعض آخر وليس المراد التحديد وعن عكرمة أن تلك المدة هي مدة الدنيا منذ خلقت إلى أن تقوم الساعة إلا أنه لا يدري أحد ما مضى منها وما بقي أي تعرج الملائكة إليه في مدة الدنيا وبقاء هذه البنية وهذا يحتاج إلى نقل صحيح والظاهر أنه أراد بالدنيا ما يقابل الأخرى ويشمل العرش ونحوه ويرد عليه أن ما ورد عن علي كرم الله تعالى وجهه جواباً لمن سأله متى خلق الله تعالى العرش يكذبه فإنه يدل على أن ما مضى من أول زمن خلقه إلى اليوم يزيد على خمسين ألف سنة بألوف ألوف سنين لا يحصيها إلا الله عز وجل ولعله أولى بالقبول مما قاله عكرمة والحق أنه لا يعلم مبدأ الخلق ولا مدة بقاء هذه البنية إلا الله عز وجل بيد أنا نعلم بتوفيق الله تعالى أن هذا العالم حادث حدوثاً زمانياً وأنه ستبدل الأرض غير الأرض والسموات وتبرز الخلائق لله تعالى الواحد القهار‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏فاصبر صَبْراً جَمِيلاً‏}‏ متفرع على قوله تعالى ‏{‏سأل سائل‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 1‏]‏ ومتعلق به تعلقاً معنوياً لأن السؤال كان عن استهزاء وتعنت وتكذيب بناء على أن السائل النضر وأضرابه وذلك مما يضجره عليه الصلاة والسلام أو كان عن تضجر واستبطاء للنصر بناء على أنه صلى الله عليه وسلم هو السائل فكأنه قيل فاصبر ولا تستعجل فإن الموعود كائن لا محالة والمعنى على هذا أيضاً على قراءة من قرأ سأل سائل من السيلان كقراءة سال سيل ولا يظهر تفرعه على سأل من السؤال إن كان السائل نوحاً عليه السلام والصبر الجميل على ما أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» عن ابن عباس ما لا شكوى فيه إلى أحد غير الله تعالى وأخرج عن عبد الأعلى بن الحجاج أنه ما يكون معه صاحب المصيبة في القوم بحيث لا يدري من هو‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ‏}‏ أي العذاب الواقع أو اليوم المذكور في قوله تعالى ‏{‏في يوم كان مقداره‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 4‏]‏ الخ بناء على أن المراد به يوم الحساب متعلقاً بتعرج على ما سمعت أولاً أو بدافع أو بواقع أو بسال من السيلان أو يوم القيامة المدلول عليه بواقع على وجه فما يدل عليه كلام الكشاف من تخصيص عود الضمير إلى يوم القيامة بما إذا كان ‏{‏في يوم‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 4‏]‏ متعلقاً بواقع فيه بحث ومعنى يرونه يعتقدونه ‏{‏بَعِيداً‏}‏ أي من الإمكان والمراد أنهم يعتقدون أنه محال أو من الوقوع والمراد أنهم يعتقدون أنه لا يقع أصلاً وإن كان ممكناً ذاتاً وكلام كفار أهل مكة بالنسبة إلى يوم القيامة والحساب محتمل للأمرين بل ربما تسمعهم يتكلمون بما يكاد يشعر بوقوعه حيث يزعمون أن آلهتهم تشفع لهم فهم متلونون في أمره تلون الحرباء والعذاب إن أريد به عذاب يوم القيامة فهو كيوم القيامة عندهم أوانه لا يقع بالنسبة إليهم مطقلاً لزعمهم دفع آلهتهم إياه عنهم وإن أريد به عذاب الدنيا فالظاهر أنهم لا ينفون إمكانه وإنما ينفون وقوعه ولا تكاد تتم دعوى أنهم ينفون إمكانه الذاتي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏وَنَرَاهُ قَرِيبًا ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏وَنَرَاهُ قَرِيباً‏}‏ أي من الإمكان والتعبير به للمشاكلة كما قيل بها في نراه إذ هو ممكن ولا معنى لوصف الممكن بالقرب من الإمكان لدخوله في حيزه والمراد وصفه بالإمكان أي ونراه ممكناً وهذا على التقدير الأول في ‏{‏يرونه بعيدا‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 6‏]‏ أو نراه قريباً من الوقوع وهذا على التقدير الثاني فيه وقد يقال كذلك على الأول أيضاً على معنى أنهم يرونه بعيداً من الإمكان ونحن نراه قريباً من الوقوع فضلاً عن الإمكان ولعله أولى من تقدير الإمكان في الجملتين وجملة أنهم الخ تعليل للأمر بالصبر وقيل إن كان المستعجل هو النضر وأضرابه فهي مستأنفة بياناً لشبهة استهزائهم وجواباً عنه وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم فهي تعليل لما ضمن الأمر بالصبر من ترك الاستعجال بأن رؤيتنا ذلك قريباً توجب الوثوق وترك الاستعجال وقوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏يَوْمَ تَكُونُ السماء كالمهل‏}‏ قيل متعلق بقريباً أو بمضمر يدل عليهي ‏{‏واقع‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 1‏]‏ وهو يقع أو بدل عن ‏{‏في يوم‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 4‏]‏ إن علل به دون تعرج والنصب باعتبار أن محل الجار والمجرور ذلك إذ ليس بدلاً عن المجرور وحده فاشتراط أبي حيان لمراعاة المحل كون الجار زائداً أو شبهه كرب غير صحيح ولا يحتاج تصحيح البدلية إلى التزام كون حركة يوم بنائية بناء على مذهب الكوفيين المجوزين لذلك وإن أضيف لمعرب وذكر أنه على هذه التقادير الثلاث المراد بالعذاب عذاب القيامة وأما إذا أريد عذاب الدنيا فيتعين أن يكون التقدير يوم تكون السماء يكون كيت وكيت وكأنهم لما استعجلوا العذاب أجيبوا بازف الوقوع ثم قيل ليهن ذلك في جنب ما أعد لكم يوم تكون السماء كالمهل فحينئذ يكون العذاب الذي هو العذاب ثم لا يخفى أن البدلية ممكنة على تقدير تعلق في يوم بتعرج أيضاً بناء على أن المراد به يوم القيامة أيضاً كما قدمنا وأن الأولى عند تعلقه بقريباً أن لا يراد من القرب من الإمكان الإمكان الذاتي لما في تقييده باليوم نوع إيهام وأن ضميري يرونه ونراه إذا كانا ليوم القيامة يلزم وقوع الزمان في الزمان في قولنا يقع يوم القيامة يوم تكون كالمهل ويجاب بما لا يخفى وجوز في البحر كونه بدلاً من ضمير نراه إذا كان عائداً على يوم القيامة وفي الارشاد كونه متعلقاً بليس له دافع وبعضهم كونه مفعولاً به لا ذكر محذوفاً وتعلقه بنراه كما قاله مكي لا نراه وكذا تعلقه بيبصرونهم كما حكاه ومثله ما عسى أن يقال متعلقه بيود الآتي بعد فتأمل والمهل أخرج أحمد والضياء في المختارة وغيرهما عن ابن عباس أنه دردي الزيت وهو ما يكون في قعره وقال غير واحد المهل ما أذيب على مهل من الفلزات والمراد يوم تكون السماء واهية وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية أن السماء الآن خضراء وأنها تحول يوم القيامة لوناً آخر إلى الحمرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏وَتَكُونُ الجبال كالعهن‏}‏ كالصوف دون تقييد أو الأحمر أو المصبوغ ألواناً أقوال واختار جمع الأخير وذلك لاختلاف ألوان الجبال فمنها جدد بيض وحمر وغرابيب سود فإذا بست وطيرت في الجو اشبهت العهن أي المنفوش كما في القارعة إذا طيرته الريح وعن الحسن تسير الجبال مع الرياح ثم ينهد ثم تصير كالعهن ثم تنسف فتصير هباء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً‏}‏ أي لا يسأل قريب مشفق قريباً مشفقاً عن حاله ولا يكلمه لابتلاء كل منهم بما يشغله عن ذلك أخرجه ابن المنذر وعبد بن حميد عن قتادة وفي رواية أخرى عنه لا يسأله عن حاله لأنها ظاهرة وقيل لا يسأله أن يحمل عنه من أوزاره شيئاً ليأسه عن ذلك وقيل لا يسأله شفاعة وفي البحر لا يسأله نصره ولا منفعته لعلمه أنه لا يجد ذلك عنده ولعل الأول أبلغ في التهويل وأياً ما كان فمفعول يسأل الثاني محذوف وقيل حميماً منصوب بنزع الخافض أي لا يسأل حميم عن حميم وقرأ أبو حيوة وشيبة وأبو جعفر والبزي بخلاف عن ثلاثتهم ولا يسأل مبنياً للمفعول أي لا يطلب من حميم حميم ولا يكلف إحضاره أو لا يسأل منه حاله وقيل لا يسأل ذنوب حميمه ليؤخذ بها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏يُبَصَّرُونَهُمْ‏}‏ أي يبصر الإحماء الاحماء فلا يخفون عليهم وما يمنعهم من التساؤل إلا اشتغالهم بحال أنفسهم وقيل ما يغني عنه من مشاهدة الحال كبياض الوجه وسواده ولا يخفى حاله ويبصرونهم قيل من بصرته بالشيء إذا أوضحته له حتى يبصره ثم ضمن معنى التعريف أو حذف الصلة أيضاً لا وجمع الضميرين لعموم الحميم والجملة استئناف كأنه لما قيل لا يسأل الخ قيل لعله لا يبصره فقيل يبصرونهم وجوز أن تكون صفة أي حميماً مبصرين معرفين إياهم وأن تكون حالاً أما من الفاعل أو من المفعول أو من كليهما ولا يضر التنكير لمكان العموم وهو مسوغ للحالية ورجحت على الوصفية بأن التقييد بالوصف في مقام الإطلاق والتعميم غير مناسب وليس فيها ذلك فلا تغفل وقرأ قتادة يبصرونهم مخففاً مع كسر الصاد أي يشاهدونهم ‏{‏يَوَدُّ المجرم‏}‏ أي يتمنى الكافر وقيل كل مذنب وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ‏}‏ أي العذاب الذي ابتلى به يومئذ ‏{‏بِبَنِيهِ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏وصاحبته وَأَخِيهِ‏}‏ حكاية لودادتهم ولو في معنى التمني وقيل هي بمنزلة أن الناصبة فلا يكون لها جواب وينسبك منها ومما بعدها مصدر يقع مفعولاً ليود والتقدير يود افتداءه ببنيه الخ والجملة استئناف لبيان أن إشغال كل مجرم بنفسه بلغ إلى حيث يتمنى أن يفتدي بأقرب الناس إليه وأعلقهم بقلبه فضلاً أن يهتم بحاله ويسأل عنها وجوز أن تكون حالاً من ضمير الفاعل على فرض أن يكون هو السائل فإن فرض أن السائل المفعول فهي حال من ضميره وقيل الظاهر جعلها حالاً من ضمير الفاعل لأنه المتمني وأياً ما كان فالمراد يود المجرم منهم وقرأ نافع والكسائي كما في أنوار التنزيل والأعرج يومئذ بالفتح على البناء للإضافة إلى غير متمكن وقرأ أبو حيوة كذلك وبتنوين عذاب فيومئذ حينئذ منصوب بعذاب لأنه في معنى تعذيب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏وَفَصِيلَتِهِ‏}‏ أي عشيرته الأقربين الذين فصل عنهم كما ذكره غير واحد ولعله أولى من قول الراغب عشيرته المنفصلة عنه وقال ثعلب فصيلته آباؤه الأدنون وفسر أبو عبيدة الفصيلة بالفخذ ‏{‏التى‏}‏ أي تضمه انتماء إليها أو لياذاً بها في النوائب‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏تُوِيهِ وَمَن فِى الارض جَمِيعاً‏}‏ من الثقلين الإنس والجن أو الخلائق الشاملة لهم ولغيرهم ومن للتغليب ‏{‏ثُمَّ يُنجِيهِ‏}‏ عطف على يفتدي والضمير المرفوع للمصدر الذي في ضمن الفعل أي يود لو ‏{‏يفتدي‏}‏ ثم لو ينجيه الافتداء وجوز أبو حيان عود الضمير إلى المذكور والزمخشري عوده إلى من في الأرض ثم الاستبعاد الانجاء يعني يتمنى لو كان هؤلاء جميعاً تحت يده وبذلهم في فداء نفسه ثم ينجيه ذلك وهيهات وقرأ الزهري تؤويه وينجيه بضم الهائين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏كَلَّا إِنَّهَا لَظَى ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏كَلاَّ‏}‏ ردع للمجرم عن الودادة وتصريح بامتناع الانجاء وضمير ‏{‏أَنَّهَا‏}‏ للنار المدلول عليها بذكر العذاب وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لظى‏}‏ خبر إن وهي علم لجهنم أو للدركة الثانية من دركاتها منقول من اللظى بمعنى اللهب الخالص ومنع الصرف للعلمية والتأنيث وجوز أن يراد اللهب على المبالغة كان كلها لهب خالص وحذف التنوين إما لإجراء الوصل مجرى الوقف أو لأنه علم جنس معدول عما فيه اللام كسحر إذا أردت سحراً بعينه وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏نَزَّاعَةً لِلشَّوَى ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏نَزَّاعَةً للشوى‏}‏ أي الأطراف كاليد والرجل كما أخرجه ابن المنذر وابن حميد عن مجاهد وأبي صالح وقاله الراغب وغيره وقيل الأعضاء التي ليست بمقتل ولذا يقال رمى فاشوى إذا لم يقتل أو جمع شواة وهي جلدة الرأس وأنشدوا قول الأعشى

قتيلة ماله *** قد جللت شيباً شواته

وروى هذا عن ابن عباس وقتادة وقرة بن خالد وابن جبير وأخرجه ابن أبي شيبة عن مجاهد وأخرج هو عن أبي صالح والسدي تفسيرها بلحم الساقين وعن ابن جبير العصب والعقب وعن أبي العالية محاسن الوجه وفسر نزعها لذلك بأكلها له فتأكله ثم يعود وهكذا نصب بتقدير أعني أو أخص وهو مراد من قال نصب على الاختصاص للتهويل وجوز أن يكون حالاً والعامل فيها لظى وإن كان علماً لما فيه من معنى التلظي كما عمل العلم في الظرف في قوله‏:‏

أنا أبو المنهال بعض الأحيان *** أي المشهور بعض الأحيان قاله أبو حبان وإليه يشير كلام الكشف وقال الخفاجي لظى بمعنى متلظية والحال من الضمير المستتر فيها لا منها بالمعنى السابق لأنها نكرة أو خبر وفي مجيء الحال من مثله ما فيه وقيل هو حال مؤكدة كما في قوله‏:‏

أنا ابن دارة معروفاً بها نسبى *** وهل بدارة يا للناس من عار

والعامل أحقه أو الخبر لتأويله بمسمى أو المبتدأ لتضمنه معنى التنبيه أو معنى الجملة وارتضاء الرضى وقيل حال من ضمير ‏{‏تدعوا‏}‏ قدم عليه وجوز الزمخشري أن يكون ضمير أنها مبهماً ترجم عنه الخبر أعني ‏{‏لظى‏}‏ وبحث فيه بما رده المحققون وقرأ الأكثرون ‏{‏نَزَّاعَةً‏}‏ بالرفع على أنه خبر ثان ‏{‏لاِنْ‏}‏ أو صفة لـ ‏{‏لظى‏}‏ وهو ظاهر على اعتبار كونها نكرة وكذا على كونها علم جنس لأنه كالمعرف بلام الجنس في إجرائه مجرى النكرة أو هو الخبر و‏{‏لظى‏}‏ بدل من الضمير وإن اعتبرت نكرة بناء على أن إبدال النكرة غير منعوتة من المعرفة قد أجازه أبو علي وغيره من النحاة إذا تضمن فائدة كما هنا وجوز على هذه القراءة أن يكون ضمير أنها للقصة و‏{‏لظى‏}‏ مبتدأ بناء على أنه معرفة و‏{‏نَزَّاعَةً‏}‏ خبره وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏تَدْعُواْ‏}‏ خبر مبتدأ مقدر أو حال متداخلة أو مترادفة أو مفردة أو خبر بعد خبر على قراءة الرفع فلا تغفل والدعاء على حقيقته وذلك كما روى عن ابن عباس وغيره يخلق الله تعالى فيها القدرة على الكلام كما يخلقه في جلودهم وأيديهم وأرجلهم فتناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وروى أنها تقول لهم إلي إلي يا كافر يا منافق وجوز أن يراد به الجذب والإحضار كما في قول ذي الرمة يصف الثور الوحشي‏:‏ أمسى بوهبين مجتازاً لمرتعة *** من ذي الفوارس تدعو أنفه الربب

ونحوه قوله أيضاً‏:‏ ليالي اللهو يطيبني فأتبعه *** كأنني ضارب في غمرة لعب

ولا يبعد أن يقال شبه لياقتها لهم أو استحقاقهم لها على ما قيل بدعائها لهم فعبر عن ذلك بالدعاء على سبيل الاستعارة وقال ثعلب تدعو تهلك من قول العرب دعاك الله تعالى أي أهلكك وحكاه الخليل عنهم وفي الأساس دعاه الله تعالى بمايكره أنزله به وأصابتهم دواعي الدهر صروفه ومن ذلك قوله

دعاك الله من رجل بافعى *** إذا ناما العيون سرت عليكا

واستظهر أنه معنى حقيقي للدعاء لكنه غير مشهور وفيه تردد وجوز أن يكون الدعاء لزبانيتها وأسند إليها مجازاً أو الكلام على تقدير مضاف أي تدعو زبانينها ‏{‏مَنْ أَدْبَرَ‏}‏ في الدنيا عن الحق ‏{‏وتولى‏}‏ أعرض عن الطاعة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏وَجَمَعَ فَأَوْعَى ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏وَجَمَعَ فَأَوْعَى‏}‏ أي جمع المال فجعله في وعاء وكنزه ولم يؤد حقوقه وتشاغل به عن الدين زها باقتنائه حرصاً وتأميلاً وهذا إشارة إلى كفار أغنياء وما أخوف عبد الله بن عكيم فقد أخرج ابن سعيد عن الحكم أنه قال كان عبد الله بن عكيم لا يربط كيسه ويقول سمعت الله تعالى يقول وجمع فأوعى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً‏}‏ الهلع سرعة الجزع عند مس المكروه وسرعة المنع عند مس الخير من قولهم ناقة هلوع سريعة السير وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وغيرهما عن عكرمة قال سئل ابن عباس عن الهلوع فقال هو كما قال الله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏إِذَا مَسَّهُ الشر‏}‏ الخ وأخرج ابن المنذر عن الحسن أنه سئل عن ذلك أيضاً فقرأ الآية وحكى نحوه عن ثعلب قال قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر ما الهلع فقلت قد فسره الله تعالى ولا يكون تفسير أبين من تفسيره سبحانه يعني قوله تعالى إذا مسه الآية ونظير ذلك قوله‏:‏ إلا لمعي الذي يظن بك الظ *** ن كأن قد رأى وقد سمعا

والجملة مؤكدة في موضع التعليل لماقبلها والإنسان الجنس أو الكافر قولان أيد ثانيهما بما روى الطستي عن ابن عباس أن الآية في أبي جهل بن هشام ولا يأبى ذلك إرادة الجنس والشر الفقر والمرض ونحوها وأل للجنس أي إذا مسه جنس الشر ‏{‏جَزُوعاً‏}‏ أي مبالغاً في الجزع مكثراً منه والجزع قال الراغب أبلغ من الحزن فإن الحزن عام والجزع حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده ويقطعه عنه وأصله قطع الحبل من نصفه يقال جزعه فانجزع ولتصور الانقطاع فيه قيل جزع الوادي لمنقطعه والانقطاع اللون بتغيره قيل للخرز المتلون جزع وعنه استعير قولهم لحم مجزع إذ كان ذا لونين وقيل للبسرة إذا بلغ الارطاب نصفها مجزعة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ‏(‏21‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذَا مَسَّهُ الخير‏}‏ المال والغنى أو الصحة ‏{‏مَنُوعاً‏}‏ مبالغاً في المنع والإمساك وإذا الأولى ظرف لجزوعاً والثانية ظرف لمنوعاً والوصفان على ما اختاره بعض الأجلة صفتان كاشفتان لهلوعاً الواقع حالاً كما هو الأنسب بما سمعت عن ابن عباس وغيره وقال غير واحد الأوصاف الثلاثة أحوال فقيل مقدرة إن أريد اتصاف الإنسان بذلك بالفعل فإنه في حال الخلق لم يكن كذلك وإنما حصل له ذلك بعد تمام عقله ودخوله تحت التكليف ومحققه إن أريد اتصافه بمبدأ هذه الأمور من الأمور الجلية والطبائع الكلية المندرجة فيها تلك الصفات بالقوة ولا مانع عند أهل الحق من خلقه تعالى الإنسان وطبعه سبحانه إياه على ذلك وفي زوالها بعد خلاف فقيل إنها تزول بالمعالجة ولولاه لم يكن للمنع منها والنهي عنها فائدة وهي ليست من لوازم الماهية فالله تعالى كما خلقها يزيلها وقيل إنها لا تزول وإنما تستر ويمنع المرء عن آثارها الظاهرة كما قيل‏:‏ والطبع في الإنسان لا يتغير *** وهذا الخلاف جار في جميع الأمور الطبيعية وقال بعضهم الأمور التابعة منها لأصل المزاج لا تتغير والتابعة لعرضه قد تتغير وذهب الزمخشري إلى أن في الكلام استعارة فقال المعنى إن الإنسان لا يثاره الجزع والمنع وتمكنهما منه ورسوخهما فيه كأنه مجبول عليهما مطبوع وكأنه أمر خلقي وضروري غير اختياري كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ‏}‏ لأنه في البطن والمهد لم يكن به هلع ولأنه ذم والله تعالى لا يذم فعله سبحانه والدليل عليه استثناء المؤمنين الذين جاهدوا أنفسهم وحملوها على المكاره وطلقوها من الشهوات حتى لم يكونوا جازعين ولا مانعين وتعقب بأنه في المهد أهلع وأهلع فيسرع إلى الثدي ويحرص على الرضاع وإن مسه ألم جزع وبكى وإن تمسك بشيء فزوحم عليه منع بما في قدرته من اضطراب وبكاء وفي البطن لا يعلم حاله وأيضاً الاسم يقع عليه بعد الوضع فما بعده هو المعتبر وإن الذم من حيث القيام بالعبد كما حقق في موضعه وإن الاستثناء إما منقطع لأنه لما وصف سبحانه من أدبر وتولى معللاً بهلعه وجزعه قال تعالى لكن المصلين في مقابلتهم أولئك في جنات ثم كر على السابق وقال ‏{‏فمال الذين كفروا‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 36‏]‏ بالفاء تخصيصاً بعد تعميم ورجعاً إلى بدء لأنهم من المستهزئين الذين افتتح السورة بذكر سؤالهم أو متصل على أنهم لم يستمر خلقهم على الهلع فإن الأول لما كان تعليلاً كان معناه خلقاً مستمراً على الهلع والجزع إلا المصلين فإنهم لم يستمر خلقهم على ذلك فلا يرد أن الهلع الذي في المهد لو كان مراداً لما صح استثناء المصلين لأنهم كغيرهم في حال الطفولية انتهى وهذا الاستثناء هو ما تضمنه قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏

‏{‏إِلَّا الْمُصَلِّينَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏إِلاَّ المصلين‏}‏ الخ وقد وصفهم سبحانه بما ينبىء عن كمال تنزههم عن الهلع من الاستغراق في طاعة الحق عز وجل والإشفاق على الخلق والايمان بالجزاء والخوف من العقوبة وكسر الشهوة وإيثار الآجل على العاجل فقال عز من قائل‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏23‏]‏

‏{‏الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ‏(‏23‏)‏‏}‏

‏{‏الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ‏}‏ أي مواظبون على أدائها لا يخلون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل وفيه إشارة إلى فضل المداومة على العبادة وقد أخرج ابن حبان عن أبي سلمة قال حدثتني عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ خذوا من العمل ما تطيقون فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا قالت فكان أحب الأعمال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دام عليه وإن قل وكان إذا صلى صلاة دام عليها ‏"‏ وقرأ أبو سلمة الذين هم على صلاتهم دائمون وأخرج أحمد في مسنده عنها أنها قالت كان عمله صلى الله عليه وسلم ديمة قال جار الله أي ما فعل من أفعال الخير إلا وقد اعتاد ذلك ويفعله كلما جاء وقته ووجه بأن الفعلة للحالة التي يستمر عليها الشخص ثم في جعله نفس الحالة ما لا يخفى من المبالغة والدلالة على أنه كان ملكة له عليه الصلاة والسلام وقيل دائمون أي لا يلتفتون فيها ومنه الماء الدائم وروى ذلك عن عمران بن حصين وكذا عن عقبة بن عامر أخرج ابن المنذر عن أبي الخير أن عقبة قال لهم من الذين هم على صلاتهم دائمون قال قلنا الذين لا يزالون يصلون فقال لا ولكن الذين إذا صلوا لم يلتفتوا عن يمين ولا شمال وإليه ذهب الزجاج فتشعر الآية بذم الالتفات في الصلاة وقد نطقت الأخبار بذلك واستدل بعضهم بها على أنه كبيرة وتحقيقه في «الزواجر» وعن ابن مسعود ومسروق أن دوامها أداؤها في مواقيتها وهو كما ترى ولعل ترك الالتفات والأداء في الوقت يتضمنه ما يأتي من المحافظة إن شاء الله تعالى والمراد بالصلاة على ما أخرج عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي الصلاة المكتوبة وعن الإمام أبي جعفر رضي الله تعالى عنه أن المراد بها النافلة وقيل ما أمروا به مطلقاً منها وقرأ الحسن صلواتهم بالجمع‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ‏(‏24‏)‏‏}‏

أي نصيب معين يستوجبونه على أنفسهم تقرباً إلى الله تعالى وإشفاقاً على الناس وهو على ما روى عن الإمام أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه ما يوظفه الرجل على نفسه يؤديه في كل جمعة أو كل شهر مثلاً وقيل هو الزكاة لأنها مقدرة معلومة وتعقب بأن السورة مكية والزكاة إنما فرضت وعين مقدارها في المدينة وقبل ذلك كانت مفروضة من غير تعيين‏.‏